“الربيع العربي” يختتم عشريته الاولى بتوحيد “ساحات الجهاد”

بقلم: طارق داود


** اختمم “الربيع العربي” عشريته الاول بانهيار دول وتفتيت مجتمعات عربية وتمزيقها. بنى الكثير من أبناء الامة العربية أملهم على هذا “الربيع”, بالعيش في أوطان متحضرة تسودها العدالة والمساواة والحرية, الا أن جردة حساب بسيطة تكشف لنا أن الشعوب العربية أصبحت تترحم على أيام الديكتاتوريات والقبضات الامنية الحديدية. الاصعب من انهيار الحلم العربي هو معرفة أسبابه، هل فشل الانتفاضات العربية سببه عدم استعداد المجتمعات العربية للتغيير؟ أم ان رؤية وهدف الربيع العربي لم تكن واضحة فانتهت الامور الى ما انتهت اليه؟ أم أن المحاور الاقليمية والدولية لا مصلحة لديها بالسماح للشعوب العربية بالارتقاء لتواكب التطور الحضاري الذي يشهده العالم، فعملت على استغلال التوتر السائد لتتغلغل وتبسط نفوذها على المجتمعات العربية. اي كانت الاسباب ومهما كانت النتائج هناك حقيقة أكيدة ان ما سعت اليه الجماهير العربية في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين انتهى الى فشل ذريع وأعاد الشعوب العربية مئة عام الى الوراء. خلال الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين الاولى والثانية، بالإضافة الى انهيار الامبراطورية العثمانية وانسحاب جنودها نحو الاناضول مقابل اندفاع الامبراطوريات الاوروبية نحو الشرق الاوسط لملء الفراغ، أبصرت معظم الدول العربية النور. هذه الدول لم تتشكل نتيجة ايمان شعوبها بضرورة تنظيم موقعها في النظام العالمي وانما نتيجة المد والجزر الذي شهدته القوى العالمية. وسط هذه الحقيقة أبحرت الدول العربية خلال قرن من الزمن وسط صراعات داخلية وخارجية لم تنته، للأسف لم تكن الشعوب العربية تعرف طعم الاستقرار الا في ظل حاكم أوحد اخضع شعبه بالحديد والنار، لكن اندلاع “الربيع العربي” كشف هشاشة الكيانات العربية وكشف أنها نشأت في ظل انعدام رؤية واضحة عن هدفها وسبب نشوئها. لم يشيء الربيع العربي ان يختتم عقده الاول بدون اشتراك أكبر عدد من الدول العربية، وهذا ما حصل بدخول العراق ولبنان على خط انتفاضات الشارع العربي. الفريد في الحالتين العراقية واللبنانية أن الطبقة السياسية في كلا البلدين حاولت اعادة انتاج نفسها وعندما فشلت حاول كل طرف سياسي استغلالها ليقضي على خصومه ويستفرد بالحكم. وعندما فشلت المحاولة أيضا حاولت هذه الاطراف الاستعانة بتحالفاتها الاقليمية والدولية لتحصين موقعها السياسي. العراق الذي انطلقت مظاهراته لتحسين الوضع المعيشي تحول الى ساحة لحروب بالوكالة بين طهران وواشنطن. عند انطلاق المظاهرات في العراق حاول كل طرف سياسي أن يدعي “مناصرته لمطالب الشعب”، لكن تفاقم الازمة في الشارع وتحولها الى تهديد وجودي بالنسبة للطبقة الحاكمة في العراق دفع بالأطراف السياسية الى الدخول في مواجهة مفتوحة. استقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي وضعت الاطراف السياسية في موقع المواجهة، بعد أن كان كل طرف يزاود على الطرف الاخر “باحترام القيم الديمقراطية” و” تلبية مطالب الجماهير”. بحسب الدستور العراقي على رئيس الجمهورية برهم صالح أن يكلف مرشح الكتلة الاكبر في البرلمان بتشكيل الحكومة، لكن الرئيس صالح اعتذر عن تكليف مرشح “كتلة البناء” وهي الكتلة الاكبر، أسعد العيداني، لرئاسة الحكومة، مؤكدا استعداده شخصيا للاستقالة من منصب رئيس الجمهورية. وأكد صالح أن اعتذاره عن تكليف العيداني لرئاسة الحكومة جاء بعد أخذه في الحسبان مسؤولية رئيس الجمهورية تجاه


شعبه. وقد غادر الرئيس صالح بغداد متوجها الى اقليم كردستان العراق بعد أن أعلن استعداده للاستقالة، وقال: “أقدم استقالتي تفاديا للإخلال بمبدأ دستوري”. لكن الدستور العراقي يفرض على الرئيس الالتزام بالأكثرية النيابية، وفي هذا السياق أكد الأمين العام لـ “عصائب أهل الحق”، قيس الخزعلي، أن عدم قيام الرئيس العراقي، برهم صالح، “بواجبه الدستوري” بتكليف مرشح الكتلة الأكبر لرئاسة الحكومة “سيدخل البلاد في الفوضى”. وقال الخزعلي إن الرئيس العراقي “خالف الدستور بعدم تكليف مرشح الكتلة الأكبر”، كما أن إعرابه عن استعداده للاستقالة “هو مكر وخداع وليس شجاعة وطنية”. الصراع داخل الطبقة العراقية حول البلاد الى ساحة مكشوفة للصراعات الاقليمية مع استهداف الطيران الاميركي لقوات تابعة للحشد الشعبي بحجة أنها “قوات تابعة لإيران اعتدت على قواعد اميركية”. وقد أعلن “الحشد الشعبي” العراقي ان الضربات الاميركية التي استهدفت مواقعه في الأنبار وعلى الحدود بين العراق وسوريا إلى وقوع 25 قتيلا. في المقابل أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن قواتها الجوية نفذت غارات “دفاعية” على 5 أهداف تابعة لهذه الجماعة المسلحة في أراضي كل من العراق وسوريا ردا على الهجمات التي سبق أن استهدفت القواعد الأمريكية في العراق. الاعتداء الاميركي كشف الانقسام الذي يعيشه الشارع العراقي من حقيقة التدخل الخارجي في العراق. نائب رئيس هيئة “الحشد الشعبي” في العراق أبو مهدي المهندس أكد أن رد “الحشد” على القصف الأمريكي سيكون “قاسيا”. من جهته رفض الرئيس العراقي برهم صالح محاولات متظاهرين عراقيين اقتحام السفارة الاميركية، مؤكدا أن “محاولة اقتحام السفارة الأمريكية في بغداد تعد تجاوزا للسياقات والاتفاقات الدولية الملزمة للحكومة العراقية”. وأضاف أن “الاحتجاج السلمي حق مشروع ومكفول حسب الدستور، لكن التعرض للبعثات الدبلوماسية المعتمدة في العراق يعد ضربا لمصالح العراق وسمعته الدولية بوصفه دولة ذات سيادة تحترم تعهداتها واتفاقاتها وتحمي البعثات الدبلوماسية داخل حدودها”. أما مجلس الأمن الوطني العراقي فقد أكد أن العراق يرفض أن يكون ساحة اقتتال أو طرفا في أي صراع إقليمي أو دولي. موقف المجلس جاء بعد تصريحات لرئيس حكومة تصريف الأعمال، عادل عبد المهدي، قال فيها إن الهجوم الأمريكي ضد “الحشد” لا يستند إلى أدلة، بل نتيجة للتوتر المتصاعد بين إيران وأمريكا. ووصف مجلس الأمن الوطني العراقي الضربات الجوية الأمريكية بأنها “انتهاك للسيادة”، مضيفا أن القوات الأمريكية اعتمدت على “أولوياتها السياسية واستنتاجاتها الخاصة” في تنفيذها.

** الادعاء الاميركي بان الهجوم في العراق استهدف “ادوات إيران” يكشف حالة الصراع المحتدم على المنطقة بين القوى الاقليمية والدولية، لكن الخاسر الاكبر في هذا الصراع هو المواطن العربي، وفي هذا السياق تأتي حزمة العقوبات الجديدة التي فرضتها

واشنطن على سوريا والتي يرى فيها الكثيرين ان نتائجها ستكون أسوأ على السوريين من نتائج الحرب ذاتها. وقد وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على “قانون قيصر”، وذكر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن هذا القانون يمنح السلطات الأمريكية أدوات لـ ” المساعدة في إنهاء النزاع المروع المستمر” من خلال “التشجيع على مساءلة” حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، مضيفا أن القانون يقضي بمعاقبة المسؤولين عن “قتل المدنيين على نطاق واسع والفظائع العديدة المرتكبة في سوريا،

لاسيما باستخدام الأسلحة الكيميائية وغيرها من الأسلحة الهمجية”. لكن بومبيو لم يشرح كيف أن تجويع السوريين ومحاربة مصادر رزقهم ستساهم في “انهاء النزاع”، فالقرار هو استمرار للحرب التي تشهدها البلاد منذ أكثر من 8 سنوات. ان ملخص القرار: من لم يمت بالقتال سيموت جوعا. الغريب في “قانون قيصر” أنه استند على استخدام دمشق للسلاح الكيميائي، لكن المعطيات الاخيرة الواردة من منظمة حظر الاسلحة الكيميائية تكشف وجود تلاعب في هذا المجال. ان المتابعة والتدقيق في التلاعب الحاصل قد يؤدي الى معطيات جديدة تغير مسار اتهام الحكومة السورية “باستخدام الاسلحة الكيميائية ضد المدنيين”. صحيفة “ديلي ميل” البريطانية أفادت بأن بريدا إلكترونيا مسربا كشف أن “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية” تلاعبت بتقرير حول هجوم كيميائي في دوما بريف دمشق في أبريل 2018. وأشارت الصحيفة إلى أن عالما وظفته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية قال في بريد إلكتروني مسرب إن التحقيقات على الأرض في دوما لم تتوصل إلى دليل قوي حول وقوع هجوم ألغاز المزعوم، مشددا على أنه تم إخفاء الحقائق بشكل متعمد في تقارير المنظمة. وأضافت الصحيفة أن البريد الإلكتروني يشير إلى أن الأدلة التي جمعت في دوما وتم فحصها لا يدعم نسخة التقرير الذي تبنته المنظمة رسميا، وأن المنظمة أعادت صياغة التقرير إلى الحد الذي تم فيه تحريف استنتاجاته. من جهته نشر موقع “ويكيليكس” رسالة إلكترونية لعضو في فريق التحقيق في الهجوم المفترض يتهم فيها المنظمة بالتستر على خلل في التقرير الذي يزعم استخدام الكلورين في دوما قرب دمشق في أبريل 2018 في هجوم أوقع أربعين قتيلا. وحسب “ويكيليكس”، فإن المحقق الذي لم تكشف هويته، عبر في رسالته الإلكترونية عن “قلقه الشديد” مؤكدا أن تقرير المنظمة “يحرف الوقائع” ويعكس “انحيازا غير متعمد”. رغم العقوبات التي فرضها ترامب على السوريين الا أن ذلك لم يمنعه من “الخوف على المدنيين في ادلب”، حيث حذر حكومات كل من سوريا وروسيا وإيران من قتل المدنيين في محافظة إدلب السورية، معتبرا أن تركيا تقوم بعمل جاهد لمنع حدوث ذلك. هذا وتشهد محافظة ادلب تطورات ميدانية لافتة بعد أن أطلق الجيش السوري عمليات واسعة سيطر خلالها على 320 كم/مربع، وذلك ردا على هجمات شنتها الفصائل المسلحة بقيادة “جبهة النصرة”. اللافت أن حرص ترامب على المدنيين في ادلب لم يشمل المقاتلين السوريين الذين يتوجهون الى ليبيا بأوامر ورعاية تركية للقتال الى جانب حكومة الوفاق الوطني المتحالفة مع أنقرة. إذاعة “RFI” الفرنسية أكدت وصول عدد كبير من “المرتزقة السوريين” إلى ليبيا عن طريق رحلات جوية غير مسجلة. ونقلت الاذاعة الفرنسية عن مصادر بمطار معيتيقة الليبي بأن شركة الخطوط الجوية الليبية “Afriqiyah Airlines” وشركة الطيران “Ajniha”، التي يملكها عبد الحكيم بلحاج المقيم بتركيا، قامتا بنقل هؤلاء المقاتلين من تركيا إلى طرابلس، بهدف مساعدة


المجموعات المسلحة الموالية لحكومة الوفاق. وكان “المرصد السوري لحقوق الإنسان” قد أكد أن 500 مقاتل سوري حطوا بالتراب الليبي، مضيفا أن آخرين متواجدين في تركيا ينتظرون نقلهم إلى العاصمة طرابلس.

** ان حالة التضامن العربي الوحيد الذي استطاع “الربيع العربي” تحقيقه هو توحيد “ساحات الجهاد”, حيث انتقل “الثائر” السوري الى البحث عن الحرية في ازقة وشوارع ليبيا. وقد أكد المتحدث باسم “الجيش الوطني الليبي”، اللواء أحمد المسماري، إن تركيا نقلت “مئات من الإرهابيين الأشد خطورة من داعش والقاعدة من سوريا إلى ليبيا”. وأفاد المسماري بأن تركيا تسعى إلى تصدير مشاكلها الداخلية للخارج، مشيرا إلى أن “أردوغان يريد أن يضرب عصفورين بحجر واحد بإرساله المسلحين إلى ليبيا، السبب الأول هو التخلص من هؤلاء المسلحين الذين يشكلون عبئا على بلاده، وثانيا السيطرة على خيرات ليبيا”. وأمام الفشل في كسب أي تأييد دولي أو اقليمي في سياساتها اتجاه ليبيا، حاولت أنقرة المناورة سياسيا بالتأكيد على أنها قد تقرر عدم إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا حال وقف “الجيش الوطني الليبي” بقيادة المشير، خليفة حفتر، هجومه على العاصمة طرابلس، حيث تتمركز حكومة الوفاق الوطني. وقال نائب الرئيس التركي، فؤاد أوقطاي، في إشارة إلى قوات حفتر: “إذا قالوا حسنا، سننسحب ونوقف الهجوم، ساعتها لماذا نذهب إلى هناك؟”. وتستعد تركيا لإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا في إطار مذكرة التفاهم حول تعزيز التعاون الأمني العسكري مع حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، والتي تم إبرامها يوم 27 نوفمبر/تشرين اول 2019.


0 عرض0 تعليق

397 WYANDOTTE STREET WEST

WINDSOR, ON N9A 5X3

(519) 254 - 2000

icgo.canada@outlook.com

© 2023 by The Artifact. Proudly created with Wix.com